نصر حامد أبو زيد

98

الاتجاه العقلي في التفسير

والحروف ، مستشهدا على كل وجه من هذه الوجوه بمجموعة من الآيات القرآنية . والذي نلاحظه أن مقاتلا معني بالدرجة الأولى بشرح معنى اللفظ في سياقاته المختلفة . ومعنى ذلك أن فكرة الانتقال في الدلالة من معنى إلى معنى باللفظ الواحد كانت واردة في ذهن مقاتل ، وإن لم يشغل نفسه بمحاولة الكشف عن العلاقة القائمة بين هذه الدلالات أو الوجوه المختلفة للفظ الواحد . وتسمية المعاني نفسها باسم « وجوه » يؤكّد وجود ذلك الاحساس بتعدد الدلالات للفظ الواحد واختلافها من سياق إلى سياق ومن تركيب إلى تركيب . يقول مقاتل معبرا عن ذلك الاحساس « لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة » 20 . ويدرك مقاتل ادراكا واضحا أن للفظ الواحد معنى محددا أو وجها محددا ، ويدرك أن باقي الوجوه أو المعاني فروع لذلك المعنى أو الوجه . وحين يشير إلى ذلك الوجه أو المعنى الأصلي - إن صحّ لنا استخدام هذه الكلمة الآن - يقول « كذا عينه » . وهو يعني بذلك أن هذا الوجه من وجوه معاني اللفظ هو الوجه المعروف المتداول ، والذي يطرأ على الذهن لأول وهلة . فكلمة « الموت » مثلا لها خمسة وجوه ، الأربعة الأولى كلها معان فرعية ، كأن يشار بها في القرآن إلى النطف التي لم تخلق ، أو إلى الضال عن التوحيد ، أو إلى جدوبة الأرض وقلة النبات ، أو إلى ذهاب الروح عقوبة بغير أن يستوفوا الأرزاق . ثم يشير مقاتل إلى الوجه الخامس - الأصلي - بقوله : « الموت بعينه . ذهاب الروح بالآجال وهو الموت الذي لا يرجع صاحبه إلى الدنيا ، فذلك قوله إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقوله : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ 21 وهذا الوجه الخامس هو المعنى المباشر - أو الأصلي - لكلمة « الموت » أمّا باقي الوجوه الأربعة فهي معان فرعية أو دلالات ثانوية . ويسلك مقاتل نفس المسلك إزاء بعض العبارات والتراكيب القرآنية ، فيتوقف عند عبارات « الحسنة والسيئة » و « الظلمات والنور » و « الطيب والخبيث » و « أقام الصلاة » و « ما بين أيديهم وما خلفهم » و « مستقر ومستودع » 22 ولا يختلف بيانه لوجوه هذه العبارات ومعانيها كثيرا عن بيانه لوجوه الألفاظ ، بمعنى أنه يشير إلى الوجوه الفرعية ، أو الدلالات غير المباشرة ، كما يشير إلى الوجه الأصلي أو الدلالة المباشرة . فعبارة « الظلمات والنور » - على سبيل المثال - لها وجهان « فوجه منهما : الظلمات يعني الشرك ، فذلك قوله في البقرة اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني يخرجهم من الشرك إلى الايمان ، نظيرها عنده . وقال في الأحزاب هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني من الشرك إلى الايمان ونحوه كثير . والوجه الثاني : الظلمات : الليل ، والنور ، يعني النهار ، فذلك قوله في الأنعام : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ